الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

299

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وهل سيبعث آباؤنا الأولون أيضا ؟ أو آباؤنا الأولون . فمن يستطيع جمع تلك العظام النخرة وأكوام التراب المتفرقة المتبقية من الإنسان ؟ ومن يتمكن من إعادة الحياة إليها ؟ فهؤلاء ذوي القلوب العمياء نسوا أنهم كانوا ترابا في اليوم الأول ، ومن التراب خلقوا ، وإذ كانوا يشككون في قدرة الله ، فعليهم أن يعرفوا أن الله كان قد أراهم قدرته ، وإن كانوا يشككون باستحالة التراب ، فقد أثبت ذلك من قبل ، وعلاوة على هذا فإن خلق السماوات والأرض بكل هذه العظمة لا تترك أي مجال للشك عند أحد في قدرة الباري عز وجل المطلقة . مما يذكر أن منكري البعث صاغوا أقوالهم بشكل عبارات مؤكدة ( إذ أن جملة أإنا لمبعوثون هي جملة اسمية استخدمت فيها ( إن ) و ( لام ) والتي تأتي كل منهما للتأكيد ) وذلك لجهلهم ولجاجتهم . ومما يلفت النظر أن كلمة ( التراب ) قدمت على ( العظام ) وهذا الأمر يحتمل أنه يشير إلى إحدى النقاط الثلاث الآتية : أولا : إن الإنسان بعد وفاته يصير عظاما في بداية الأمر ، ثم يتحول إلى تراب ، وبما أن إعادة التراب إلى الحياة يعد شيئا عجيبا ، لهذا قدمت كلمة التراب . ثانيا : عند إندثار أبدان الأموات ، في البداية تتحول اللحوم إلى تراب وتبقى إلى جانب العظام ، ولهذا فهناك تراب وعظام في آن واحد . ثالثا : التراب يشير إلى أجساد الأجداد الأولين ، والعظام تشير إلى أبدان الآباء والتي لم تتحول بعد إلى تراب . ثم يرد القرآن على تساؤلاتهم بلهجة شديدة وعنيفة ، عندما يقول للرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : قل لهم : نعم أنتم وأجدادكم ستبعثون صاغرين مهانين أذلاء ، قل نعم وأنتم داخرون ( 1 ) .

--> 1 - ( داخر ) من مادة ( دخر ) على وزن فخر ( دخور ) ، وكلتاهما تعطي معنى الذلة والحقارة . الآية أعلاه فيها جملة تقديرية هي جوابها ، والبقية شئ إضافي عليها كي يكتسب القول قاطعية أكثر ، فالتقدير سيكون هكذا ( نعم إنكم مبعوثون حال كونكم داخرين ) .